أحمد مصطفى المراغي

154

تفسير المراغي

وما هذا منهم إلا لضعف عقولهم وقصور إدراكهم ، فإن الرسل لم يمتازوا بأمور حسية ، بل بصفات روحية ، وفضائل نفسية ، فطرهم اللّه عليها توجب صفاء عقولهم وطهارة نفوسهم ، يرشد إلى ذلك قوله تعالى : « قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ » * . ( 3 ) ( لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً ) أي فهلا أنزل إليه ملك من عند اللّه يكون شاهدا على صدق ما يدعيه ، ويردّ على من يخالفه ، وشبيه بهذا ما قال فرعون عن موسى : « فَلَوْ لا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ » . ( 4 ) ( أَوْ يُلْقى إِلَيْهِ كَنْزٌ ) أي وهلا أنزل عليه كنز من السماء ينفق منه حتى لا يحتاج إلى المشي في الأسواق لطلب المعاش . ( 5 ) ( أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْها ) أي وهلا كان له بستان يعيش من غلته كما يعيش المياسير من الناس . قال صاحب الكشاف : إنهم طلبوا أن يكون الرسول ملكا ، ثم زلوا عن ملكيّته إلى صحبة ملك يعينه ، ثم نزلوا عن ذلك إلى كونه مرفودا بكنز ، ثم نزلوا فاقتنعوا بأن يكون له بستان يأكل ويرزق منه اه . و عن ابن عباس قال : إن عتبة بن ربيعة وأبا سفيان بن حرب والنضر بن الحرث وأبا البحتري والأسود بن المطلب ، وزمعة بن الأسود والوليد بن المغيرة وأبا جهل بن هشام وعبد اللّه بن أبي أمية وأمية بن خلف والعاص بن وائل ومنبّه بن الحجاج اجتمعوا ، فقال بعضهم لبعض : ابعثوا إلى محمد وكلموه وخاصموه حتى تعذروا منه ، فبعثوا إليه إن أشراف قومك قد اجتمعوا ليكلموك ، قال فجاءهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم . فقالوا : يا محمد إنا بعثنا إليك لنعذر منك ، فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب مالا جمعنا لك من أموالنا ، وإن كنت تطلب به الشرف فنحن